فصل: تفسير الآيات (12- 20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (2- 5):

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)}
{هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ} أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى وأن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم فحذف المضاف. {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} أجل الموت. {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} أجل القيامة. وقيل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، فإن الأجل كما يطلق لآخر المدة يطلق لجملتها. وقيل الأول النوم والثاني الموت. وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي، وأجل نكرة خصصت بالصفة ولذلك استغني عن تقديم الخبر والاستئناف به لتعظيمه ولذلك نكر ووصف بأنه مسمى أي مثبت معين لا يقبل التغيير، وأخبر عنه بأنه عند الله لا مدخل لغيره فيه يعلم ولا قدرة ولأنه المقصود بيانه. {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانياً، فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث، والامتراء الشك وأصله المري وهو استخراج اللبن من الضرع.
{وَهُوَ الله} الضمير لله سبحانه وتعالى و{الله} خبره. {فِي السموات وَفِى الأرض} متعلق باسم {الله} والمعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير، كقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله} أو بقوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} والجملة خبر ثان، أو هي الخبر و{الله} بدل، ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد في الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه أو ظرف مستقر وقع خبراً، بمعنى أنه سبحانه وتعالى لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما، ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له وليس متعلقاً بالمصدر لأن صفته لا تتقدم عليه. {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من خير أو شر فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الأنفس وبالمكتسب أعمال الجوارح.
{وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ} {مِنْ} الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض، أي: ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن. {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه.
{فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ} يعني القرآن وهو كاللازم ما قبله كأنه قيل: إنهم لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا به لما جاءهم، أو كدليل عليه على معنى أنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره، ولذلك رتب عليه بالفاء. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، أو عند ظهور الإِسلام وارتفاع أمره.

.تفسير الآية رقم (6):

{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)}
{أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} أي من أهل زمان، والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة. وقيل ثمانون. وقيل القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم. قلت المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت. {مكناهم فِي الأرض} جعلنا لهم فيها مكاناً وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها. {مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار في العدد والأسباب. {وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم} أي المطر أو السحاب، أو المظلة إن مبدأ المطر منها. {مُّدْرَاراً} أي مغزاراً. {وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ} فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار. {فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ} أي لم يغن ذلك عنهم شيئاً. {وَأَنشَأْنَا} وأحدثنا. {مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} بدلاً منهم، والمعنى أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود وينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)}
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا في قِرْطَاسٍ} مكتوباً في ورق. {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} فمسوه، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإِبصار حيث لا مانع، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز فإنه قد يتجوز به للفحص كقوله: {وَإِنَّا لَمَسْنَا السماء} {لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تعنتاً وعناداً.

.تفسير الآية رقم (8):

{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)}
{وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي كقوله: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}. {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر} جواب لقولهم وبيان هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه، والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحق إهلاكهم فإن سنة الله قد جرت بذلك فيمن قبلهم. {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} بعد نزوله طرفة عين.

.تفسير الآية رقم (9):

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)}
{وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان، فإنهم تارة يقولون لولا أنزل عليه ملك، وتارة يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة. والمعنى ولو جعلنا قريناً لك ملكاً يعاينونه أو الرسول ملكاً لمثلناه رجلاً كما مثل جبريل في صورة دحية الكلبي، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوتهم القدسية، وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاً للبسنا أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. وقرئ: {لبسنا} بلام واحدة و{لبسنا} بالتشديد للمبالغة.

.تفسير الآية رقم (10):

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
{وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يرى من قومه. {فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله، أو فنزل بهم وبال استهزائهم.

.تفسير الآية رقم (11):

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}
{قُلْ سِيرُواْ في الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال كي تعتبروا، والفرق بينه وبين قوله: {قُلْ سِيرُواْ في الأرض فَاْنظُرُواْ} أن السير ثمت لأجل النظر ولا كذلك ها هنا، ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين.

.تفسير الآيات (12- 20):

{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}
{قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض} خلقاً وملكاً، وهو سؤال تبكيت. {قُل لِلَّهِ} تقريراً لهم وتنبيهاً على أنه المتعين للجواب بالإِنفاق، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره. {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة} التزمها تفضلاً وإحساناً والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر. {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة} استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر أي: ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، فيجازيكم على شرككم. أو في يوم القيامة وإلى بمعنى في. وقيل بدل من الرحمة بدل البعض فإنه من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} في اليوم أو الجمع. {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} بتضييع رأس مالهم. وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم، وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين أو على الابتداء والخبر. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الاصرار على الكفر والامتناع من الإِيمان {وَلَهُ} عطف على لله. {مَا سَكَنَ في اليل والنهار} من السكنى وتعديته بفي كما في قوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ في مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} والمعنى ما اشتملا عليه، أو من السكون أي ما سكن فيهما وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. {وَهُوَ السميع} لكل مسموع. {العليم} بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء، ويجوز أن يكون وعيداً للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.
{قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً} إنكار لاتخاذ غير الله ولياً لا لاتخاذ الولي. فلذلك قدم وأولى الهمزة والمراد بالولي المعبود لأنه رد لمن دعاه إلى الشرك. {فَاطِرَ السموات والأرض} مبدعهما، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأتها. وجره على الصفة لله فإنه بمعنى الماضي ولذلك قرئ: {فطر} وقرئ بالرفع والنصب على المدح. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} يَرزق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه. وقرئ ولا يطعم بفتح الياء وبعكس الأول على أن الضمير لغير الله، والمعنى كيف أشرك بمن هو فاطر السموات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانية، وببنائهما لفاعل على أن الثاني من أنعم بمعنى استطعم، أو على معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله: {يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} {قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الدين. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} وقيل لي ولا تكونَنَّ، ويجوز عطفه على قل.
{قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب، والشرط معترض بين الفعل والمفعول به وجوابه محذوف دل عليه الجملة.
{مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} أي بصرف العذاب عنه. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم {يُصْرَفْ} عَلَى أن الضمير فيه لله سبحانه وتعالى. وقد قرئ بإظهاره والمفعول به محذوف، أو يومئذ بحذف المضاف. {فَقَدْ رَحِمَهُ} نجاه وأنعم عليه. {وَذَلِكَ الفوز المبين} أي الصرف أو الرحمة.
{وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ} ببلية كمرض وفقر. {فَلاَ كاشف لَهُ} فلا قادر على كشفه. {إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} بنعمة كصحة وغنى. {فَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدُيرٌ} فكان قادراً على حفظه وإدامته فلا يقدر غيره على دفعه كقوله تعالى: {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ}
{وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة. {وَهُوَ الحكيم} في أمره وتدبيره. {الخبير} بالعباد وخفايا أحوالهم.
{قُلْ أَىُّ شَئ أَكْبَرُ شهادة} نزلت حين قالت قريش: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله. والشيء يقع على كل موجود، وقد سبق القول فيه في سورة {البقرة}. {قُلِ الله} أي الله أكبر شهادة ثم ابتدأ {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي هو شهيد بيني وبينكم، ويجوز أن يكون الله شهيد هو الجواب لأنه سبحانه وتعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة. {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذركم بِهِ} أي بالقرآن، واكتفى بذكر الإِنذار عن ذكر البشارة. {وَمَن بَلَغَ} عطف على ضمير المخاطبين، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر، أو من الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة، وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه. {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى} تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} بما تشهدون. {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد} أي بل أشهد أن لا إله إلا هو. {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} يعني الأصنام.
{الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ} يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإِنجيل. {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} بحلاهم. {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} من أهل الكتاب والمشركين. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لتضييعهم ما به يكتسب الإِيمان.